بقلم صالح العساف، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشورى للذكاء الاصطناعي
اليوم مستقبل العمليات القانونية والتعاون يأخذ بعداً جديداً بتحويل الخبرة القانونية الموجودة برأس كل محامي وقانوني الى معرفة قانونية متاحة لكافة أفراد المؤسسة، بحيث لا تبقى خبرة كل فرد منفصلة عن بقية الفريق، ويصبح لدى الجميع بغض النظر عن أقدميتهم إمكانية الوصول إلى المعرفة التي تراكمت داخل المؤسسة عبر سنوات من العمل والممارسة. وهو شيء لم يكن موجود بهذه الصورة من قبل.
الواقع كان خلاف ذلك، فكانت المعرفة القانونية مشتتة في مصادر مختلفة، ومحاولات جعلها متاحة لتشارك نجحت الى حد كبير، ولكن الجزء الضمني من المعرفة والخبرة هو ما لم يكن من السهل أن يتم التقاطه ونقله بالكامل.
تاريخياً: أين كانت المعرفة القانونية؟
تاريخياً، كانت المعرفة القانونية متخذة اشكال متعددة من ملفات ومستندات، قواعد بيانات ولكن هناك جزء كان دائماً يصعب الوصول إليه أو نقله وهو ما كان يتراكم داخل رأس القانوني والمحامي نفسه؛ وانا هنا مثلاً اتحدث عن زملائي القانونيين: من سنوات من الممارسة، والتعامل مع القضايا والصفقات، وفهم احتياجات العملاء، ومعرفة ما نجح سابقاً وما لم ينجح، وكيفية التعامل مع مواقف أو أطراف أو ظروف مشابهة. كانت هذه الخبرة تتطور مع الوقت وتصبح جزءاً من طريقة عملهم كقانونيين ومحاميين في التفكير واتخاذ القرار، لكنها بقيت في كثير من الأحيان معرفة ضمنية يصعب نقلها أو الوصول إليها من قبل بقية الزملاء في الفريق.
وأقتبس هنا من الكاتب Matthew Parsons في كتابه Effective Knowledge Management for Law Firms وهو من أوائل الكتب التي ناقشت مفهوم إدارة المعرفة القانونية، حيث يطرح سؤالاً مفاده: "ما الذي يميز المحامي الخبير عن المحامي المبتدئ رغم أن كليهما لديه الوصول إلى الكتب وقواعد البيانات نفسها؟"
الجواب هو ما تراكم في عقل الخبير من معرفة وخبرة.
كل زميل هو مصدر للمعرفة القانونية
خبرة الزملاء المتراكمة هي منجم ذهب يمكن الاستفادة منه في تحقيق أهداف المؤسسة، والمعرفة القانونية لا يجب أن تظل حبيسة في رأس كل زميل؛ فكل ما اكتسبه من تصورات وخبرات، وما واجهه من تحديات خلال سنوات الممارسة، يمكن أن يكون ذا قيمة لبقية أعضاء الفريق، وليس فقط حكراً عليه.
وهناك جانب آخر مهم لهذه المعرفة: أنها لا ينبغي أن تغادر المؤسسة برحيل أصحابها، ولا أن تحضر فقط بوجودهم. فخروج زميل من المؤسسة يعني في كثير من الأحيان فقدان جزء من الخبرة المتراكمة التي اكتسبها، كما أن بقاءه لا يعني بالضرورة أن هذه المعرفة متاحة دائمًا للجميع. لذلك، لا يجب أن تكون معرفة المؤسسة مرتبطة بشخص واحد.
هذه فرصة رأيناها مبكرًا من واقع عملنا، ورأينا في الذكاء الاصطناعي القانوني وسيلة حقيقية للاستفادة منها بالتقاطها وتوثيقها وتنظيمها، وكذلك بوضع السياق والصلاحيات المناسبة للوصول اليها، وأخيراً يجعل الوصول اليها واستخدامها أكثر فاعلية ؛ بحيث لا تظل الخبرات التي تراكمت لدى كل فرد مقتصرة عليه، وإنما يمكن تحويلها إلى معرفة يستفيد منها الفريق بصورة جماعية، وتصبح التحديات التي مررنا بها والدروس التي تعلمناها جزءاً من الذاكرة المعرفية للمؤسسة.
وفي النهاية
هناك تحول كبير يحدث في جانب إدارة المعرفة القانونية عالمياً، ونحن نطمح أن نكون من أوائل من يتبنونه في المملكة العربية السعودية. وهذا تحديداً هو الاتجاه الذي تتبناه شورى في إدارة المعرفة القانونية: الانتقال من المعرفة الفردية إلى معرفة مؤسسية يمكن الوصول إليها وإعادة استخدامها على نطاق الفريق. وهذا التحول لا يحدث بمعزل عن زملائنا القانونيين، بل من خلال شراكتنا المستمرة معهم، والاستماع إلى احتياجاتهم وفهم تحدياتهم، والعمل معهم على تطوير أدوات ذكية تساعدهم على تحقيق استفادة أكبر من المعرفة القانونية.
صالح العساف
الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي
الثلاثاء - 18 ربيع الثاني 1448



