سألت ChatGPT عن مسألة قانونية وأعطاني رد ممتاز، ولكن...
هنا تكمن الخطورة؛ فالنماذج العامة (مثل ChatGPT أو Gemini) مصممة تقنياً لمحاولة الإجابة عن أي سؤال يوجه لها، حتى وإن كان السؤال مبنياً على فرضيات وهمية. صلب تصميم هذه الأدوات يجعلها نادراً ما تقول "لا أعلم"، بل ستحاول دائماً صياغة رد يبدو منطقياً من حيث اللغة، ولكنه قد يكون كارثياً من حيث المضمون القانوني.
فخ النسخ واللصق
طلبتُ منه صياغة مذكرة قانونية (مذكرة جوابية) في دعوى حضانة، وجاءت النتيجة جيدة لغوياً بصفة مبدئية. لكن الإشكالية هنا لا تتعلق بأسلوب الكتابة ومدى صحته أم لا، فهذا ناقشناه في مقال آخر، بل في خطورة النسخ واللصق واعتماد المخرجات دون أدنى درجة من التحقق. فكما يظهر في الفقرة "ثانياً"من المذكرة، فإن تقديم مثل هذه الردود دون مراجعة دقيقة غالباً ما يكون مصيرها الرفض نظراً لما قد تحتويه من استدلالات خاطئة تضع المحامي في موقف محرج أمام القضاء.
سوء توظيف الذكاء الاصطناعي يتحول إلى ورطة كبيرة
عطفاً على الفقرة السابقة وفي تطبيق عملي لما نحاول توصيله كفكرة، وفي مايو من العام المنصرم حكومة ولاية ألاباما أوكلت لشركة المحاماة Butler Snow عقداً بملايين الدولارات للدفاع عن السجون في دعاوى قضائية مرفوعة ضدها. فقام أحد محامي الشركة باستخدام برنامج ChatGPT لإيجاد سوابق قضائية لدعم دفاعه، لكنه أدرج اقتباسات وهمية غير موجودة على الإطلاق في الأوراق القانونية المقدّمة للمحكمة.
والنتيجة؛ القاضية الفيدرالية وجّهت اتهامات بإدراج معلومات مزيفة، وبدأت النظر في فرض عقوبات على الشركة أو المحامين، مثل الغرامات أو التدريب أو الإحالة إلى جهات التأديب.
من هذا الأمر نستنتج ان هذه الحالة هي جزء من ظاهرة أوسع، حيث هناك عدد متزايد من القضايا في جميع أنحاء العالم حيث تظهر “هلاوس الذكاء الاصطناعي” (AI hallucinations) في الملفات القانونية عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بدون تحقق بشري دقيق.
حتى (ChatGPT)، الذي يعد من أكثر النماذج تطوراً، يدرج تنبيهاً ثابتاً في جميع محادثاته يشير إلى احتمالية الخطأ.
وكذلك قوقل Gemini.
هل هذا يعني أن مشير لا يخطئ؟
استعرضنا مسبقاً وبشكل تفصيلي ميزات مشير وما يقدمه من اختلاف عن ChatGPT، وكذلك قدرات محرك البحث القانوني. والنقطة المحورية هنا هي أن هامش الخطأ في هذه الأدوات وخصوصاً مشير لا يمكننا القول بأنه منعدم تماماً؛ ففي ذلك تحيز لمنتجنا، ولكن الواقع يؤكد أن هامش الخطأ فيه أقل بكثير مقارنةً بأدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى مثل Claude وGemini وChatGPT؛ حيث يقدم مشير دقة ردود تصل إلى 95%. وذلك لتخصصه في الأنظمة السعودية وما يتعلق بها بشكل عام.
هل الذكاء الإصطناعي سيأخذ دور المحامي في المستقبل؟
اذا تحدثنا عن اللحظة الراهنة وما يمكن التنبؤ به استناداً للمعطيات الحالية، فالإجابة هي: لا، لأن المستقبل وعلمه بيد الله ولا يمكن التنبؤ به ولكن. المستقبل لن يكون للمحامي التقليدي الغارق في الأساليب الكلاسيكية، بل سيكون للمحامي الذي يجيد تطويع هذه التقنيات لصالحه. الذكاء الاصطناعي سيميل مع كفة الباحث القانوني الذي يعرف كيف يوجه الآلة ويراجع مخرجاتها.
ويبقى السؤال الأهم: هل يغني الذكاء الاصطناعي عن المحامي؟
بعد استعراض هذه الحقائق، لا نعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيغني عن المحامي، على الأقل في المدى المنظور. فما زالت المخرجات بحاجة ماسة للتدقيق البشري، حتى عند استخدام النماذج القانونية المتخصصة مثل مشير. فنحن في شورى نحث دائماً مستخدمينا من محامين وباحثين على مراجعة النتائج بأنفسهم وعدم الاعتماد الكلي عليها؛ لتجنب تكلفة الأخطاء التي يمكن تلافيها بمجرد مراجعة بسيطة.
الذكاء الاصطناعي موجود لخدمتك وتعزيز قدراتك، وهو وسيلة ممتازة لزيادة الإنتاجية، ولكن تذكر دائماً: أنت من تتولى القيادة وتحدد الوجهة بما يخدم أهدافك.



